عبد الملك الجويني
64
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
هذه الأسماء على الاتصاف بجميع صفات الألوهية التي بها يخالف الرب خلقه ، ويندرج تحت هذه الطريقة تضمنها للتنزيه ، وهذا أحسن ؛ ولا بعد في اشتمال الاسم الواحد على معان تنقسم إلى النفي والإثبات . « الخالق ، البارئ ، المصور » : أما الخالق فمعناه بيّن ؛ والخلق قد يراد به الاختراع وهو أظهر معانيه ، ويراد به التقدير ؛ ولذلك سمي الحذّاء خالقا ، لتقديره بعض طاقات النعل على بعض . وحمل المفسرون قوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ سورة المؤمنون : 14 ] على معنى التقدير . والبارئ معناه الخالق ؛ والمصوّر مبدع الصور . « الغفار » : معناه الستار ، والغفر في اللغة الستر ، ومنه سمي المغفر مغفرا . ثم يمكن حمل الستر على ترك العقاب ، ويمكن حمله على الإنعام الذي يدرأ عن العبد ما يفضحه في العاجل والآجل . « القهار » : ظاهر المعنى . ويمكن صرفه إلى القدرة ، ولا يبعد صرفه إلى الأفعال التي تذل الجبابرة كالإهلاك ونحوه . « الوهاب » : مانح النعم . « الرزاق » : خالق الرزق ومبدع الإمتاع به ، وسيأتي معنى الرزق . « الفتاح » : قيل معناه الحاكم بين الخلائق ، والفتح الحكم في اللغة ، والعرب تسمي الحاكم فتّاحا ، وهو المعنيّ بقوله تعالى : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [ سورة الأعراف : 89 ] معناه ربنا احكم بيننا . وإذا حمل على الحاكم فيمكن صرفه إلى القول القديم ، ويمكن صرفه إلى الأفعال المنصفة للمظلومين من الظالمين . وقيل : الفتاح ، مبدع الفتح والنصر . « العليم » معناه : العالم على مبالغة ، وبناء فعيل من أبنية المبالغة . « القابض ، الباسط » : من صفات الأفعال ؛ والقابض معناه : المضيق على من أراد ؛ والباسط ، الموسع الأرزاق على من أراد . « الخافض ، الرافع » : من صفات الأفعال ، ومعناهما ظاهر . وكذلك « المعز ، المذل ، السميع ، البصير » ظاهر المعاني . « الحكم » معناه : الحاكم ، ويمكن صرفه إلى قول اللّه ، المبين لكل نفس جزاء عملها ، ويمكن صرفه إلى أفعال المجازاة في الثواب والعقاب . وقيل : الحكم والحاكم يرجعان إلى معنى المنع ؛ ومن ذلك سميت حكمة اللجام حكمة ، فإنها تمنع الدابة من الجماح ، وسميت العلوم حكما ، لأنها تزع الموصوفين بها عن شيم الجاهلين . « العدل » معناه : العادل ، وهو الذي يفعل ما له فعله .